أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

495

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ينتصب بمضمون الجملة السابقة لأنّ كونهم يأوون في جهنم في معنى المجازاة . ويجوز أن يكون مفعولا من أجله . قوله تعالى : الْأَعْرابُ : صيغة جمع وليس جمعا لعرب قاله سيبويه ؛ وذلك لئلا يلزم أن يكون الجمع أخصّ من الواحد ، فإن العرب هذا الجيل الخاص سواء سكن البوادي أم سكن القرى ، وأما الأعراب فلا يطلق إلا على من يسكن البوادي فقط . وقد تقدّم لك في أوائل هذا الموضوع عند قوله تعالى : « رب العالمين » ، ولهذا الفرق نسب إلى الأعراب على لفظه فقيل : أعرابيّ . ويجمع على أعاريب . وقوله : أَجْدَرُ ، أي : أحقّ وأولى ، يقال : هو جديد وأجدر وحقيق وأحقّ وقمين وأولى وخليق بكذا ، كلّه بمعنى واحد . قال الليث : « جدر يجدر جدارة فهو جدير ، ويؤنّث ويثنّى ويجمع قال الشاعر : 2554 - بخيل عليها جنّة عبقريّة * جديرون يوما أن ينالوا ويستعلوا « 1 » وقد نبّه الراغب على أصل اشتقاق هذه المادة وأنها من الجدار أي الحائط ، فقال : « والجدير : المنتهى لانتهاء الأمر إليه انتهاء الشيء إلى الجدار » والذي يظهر أن اشتقاقه من الجدر وهو أصل الشجرة فكأنه ثابت كثبوت الجدر في قوله « جدير بكذا » . قوله : أَلَّا يَعْلَمُوا ، أي : بأن لا يعلموا فحذف حرف الجر فجرى الخلاف المشهور بين الخليل والكسائي مع سيبويه والفراء . قوله تعالى : مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً : « مِنَ » مبتدأ وهي : إمّا موصولة وإمّا موصوفة . ومغرما مفعول ثان لأن « اتخذ » هنا بمعنى صيّر . والمغرم : الخسران ، مشتق من الغرام وهو الهلاك لأنه سيئة ، ومنه « إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً » . وقيل : أصله الملازمة ومنه « الغريم » للزومه من يطالبه . قوله : وَيَتَرَبَّصُ عطف على « يَتَّخِذُ » فهو : إمّا صلة وإمّا صفة . والتربّص : الانتظار . والدوائر : جمع دائرة ، وهي ما يحيط بالإنسان من مصيبة ونكبة ، تصوّرا من الدائرة المحيطة بالشيء من غير انفلات منها . وأصلها داورة لأنها من دار يدور ، أي : أحاط . ومعنى « تربّص الدوائر » ، أي : انتظار المصائب قال : 2555 - تربّص بها ريب المنون لعلها * تطلّق يوما أو يموت حليلها « 2 » قوله : عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ هذه الجملة معترضة بين جمل هذه القصة وهي دعاء على الأعراب المتقدمين ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا « السَّوْءِ » وكذا الثانية في الفتح بالضم ، والباقون بالفتح . وأما الأولى في الفتح وهي « ظَنَّ السَّوْءِ » * فاتفق على فتحها السبعة . فأما المفتوح ، فقيل : هو مصدر . قال الفراء : « يقال : سؤته سوءا ومساءة وسوائية ومسائية ، وبالضم الاسم » قال أبو البقاء : « وهو الضّرر وهو مصدر في الحقيقة » . قلت : يعني أنه في الأصل كالمفتوح في أنه مصدر ثم أطلق على كل ضرر وشرّ . وقال مكي : « من فتح السين فمعناه الفساد والرداءة ، ومن ضمّها فمعناه الهزيمة والبلاء والضرر » . وظاهر هذا أنهما اسمان لما ذكر ، ويحتمل أن يكونا في الأصل مصدرا ثم أطلقا على ما ذكر . وقال غيره : المضموم : العذاب والضرر ، والمفتوح : الذم ، ألا ترى أنه أجمع على فتح ظَنَّ السَّوْءِ *

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم .